اسماعيل فهد بين العنقاء والخل الوفي

اسماعيل فهد بين العنقاء والخل الوفي

تمت إضافته في تاريخ 19/01/2013 بواسطة عبدالوهاب الحمادي بتصنيف آراء, قدمس, كتب, كتب عربية

لن أدعي أنني قرأت كل نتاج الروائي الكويتي  المخضرم اسماعيل فهد اسماعيل، فقط قرأت أواخر انتاجه الأدبي وربما أجد وقتا لقراءة (كانت السماء زرقاء) والتي كتب عنها صلاح عبدالصبور ذات يوم مقالا يبشر بروائي قادم.

غالبا تقترن عناوين الروايات بأسماء أبطالها ولا أعني هنا أن يكون أسم البطل هو ذاته عنوان الرواية ك ديفيد كوبر فيلد الخ.. . بل أعني راسكلينكوف في الجريمة والعقاب، وأحمد عبدالجواد في ثلاثية نجيب محفوظ، والذي صار لقبه (سي السيد) يطلق على كل من يستبد. هنا في هذه الرواية اسماه اسماعيل فهد  (منسي) و اظن أن هذا المنسي سيكون بطل اسماعيل الأشهر، فهذا البدون الذي ولد في الكويت لم يجد اعترافا رسميا وظل وضل بدون جنسية كويتية رغم الوعود المتلاحقة له ولغيره بانتهاء معاناتهم في يوم من الأيام؛ كُتب (منسي) كانسان حي لا كائن روائي متخيل، وجاء منسجما مع كثير ممن نعرف من البدون (وأحيانا لا نعلم أنهم بدون إلا بالصدفة المحزنة) .صوّر لنا اسماعيل أغلب اختلاجات نفسه، افكاره و طموحاته. ورّط القارئ به وورطني ولم يغادر ذاكرتي بكل تفاصيله؛ من أرشيف يجمعه وأوراق قد يحتاجها يوما لكسب الجنسية. حتى أنني حاولت معرفة هل هو شخصية حقيقية يعرفها اسماعيل فنقلها على الورق؟ وسأظل أحاول أن اعرف ذلك.

في حضرة العنقاء والخل الوفي

في حضرة العنقاء والخل الوفي

منذ بداية تدوين منسي لحكايته التي يسردها كي تقرأها ابنته ( التي لن تحضر ولعلها العنقاء). وبمجرد ذهابه لمسرح الخليج العربي ليعمل كعامل للشاي وانضمامه له، يشرّع اسماعيل أبواب الحكاية لأحداث تتوالي وأسماء لها جِرس في ذاكرتي كصقر الرشود وعبدالعزيز السريع وغيرهم من أعضاء فرقة مسرح الخليج كسليمان الياسين ( الذي كان شخصية رئيسة ولعله الخل الوفي ) ممن أعتقد أن أعمالهم هي أجود ما عرض على خشبة مسرح كويتي.يتوقف قليلا عند جاره في العمارة ناجي العلي رسام الكاريكاتير الفلسطيني، وطبعا سيكون حنظلة حاضرا وهو رمز للصبر الفلسطيني ابتكره العلي كما هو منسي نموذج للصبر الكويتي الذي لم يفت ناجي العلي أن يرسمه فيضم منسي الرسم إلى أرشيفه. ثم نرتحل إلى دمشق في منتصف الثمانينات و نجد منسي وقد صار إداريا في الفرقة يرشد الجمهور لأماكنهم، قد تعرف على عهود الكويتية التي ستكون زوجته فتتلاطم الأحداث بعد عودتهما إلى الوطن وتأخذ مسارا لا تنتهي أولى مراحله إلا بإحتلال العراق للكويت.

 يقدم لنا اسماعيل عرضا لهذا المجتمع ويقترب من أهم امراضه السرطانية على الإطلاق : العنصرية.فيمر الإنسان/منسي في عذابات تتضاعف كأن الإحتلال بمثابة عدسة مكبرة. وإن كان الإحتلال هو بلاء على الكويتيين فقد كان بلاء مضاعفا على البدون الذين يتنازعهم كل طرف، ويشكك فيهم كل طرف! يروي لنا كل السلبيات على لسان الآخر الذي كان… البدون.

هناك نقطتان اتمنى أن اعرف كيف اوصلهما. كان منسي شخصية روائية رسمت بحنكة، لكن، اظن أن الطيبة التي كان يحيا بها مبالغ فيها. فنفسه لا تعرف الحقد البشري الطبيعي رغم كل ما تعرض له من ظلم انهال عليه منذ خلق. نعم اعرف بشرا يقتبسون أخلاقهم من الملائكة (أحيانا) لكن يأتي عليهم زمان يثورون فيه ويبادلون من يصفعهم على خدهم الأيمن بلكمات، لذلك عندما ملك منسي حق الإنتقام ولم ينتقم لم اهضم هذا التصرف وإن كنت اثناء مشاهدتي لفيلم البؤساء الموسيقي توقفت طويلا عندما اطلق جان فالجان سراح جافير وكان يستطيع أن يقتص منه. النقطة الثانية،لحظة تبدل مشاعر وموقف عهود الكويتية تجاه منسي (زوجها) لم أجد لها تبريرا مقنعا. ففتاة فعلت كل ما في وسعها وتنازلت عن حقوقها لكي ترتبط ببدون، تتنّكر له بهذه السرعة؟! وترتد لعنصرية وجدناها متمّثلة في سعود (اخوها) وتتبناها، هل نعزوه لصدمة الإحتلال التي زلزلت قناعات الكثيرين في شتى المجالات ؟!

بالنسبة لي كانت مرحلة الغزو العراقي وماتلاه من الفصول التي شدّتني إلى سطور الرواية فالأحداث من زمان ومكان رسمت بدقة خاصة تلك السماء التي التحفت بدخان حرائق آبار النفط. حتى خيّل إلى أنني عاصرت كل زمان الاحتلال وأنا ممن خرجوا للإمارات العربية المتحدة. عايشت لحظات تحرير الكويت لحظة بلحظة. وتلك السجون/الأقفاص ومحاكمات المتعاونين مع الإحتلال اعادت إلي ذاكرة تلك الأيام التي لم يغادر صداها ذاكرتي يوما، فالغزو العراقي ذاكرة تعذب كل من عايشها من قريب أو بعيد بما عاناه و يعانيه البشر من ظلم وتفرقة، ولم توّف حقها من الكتابة الأدبية بعد.

رواية في حضرة العنقاء والخل الوفي ؛ ذاكرة تنتظر من يقرأها في زمن فقدان الذاكرة و نص تتزاحم بعده الأسئلة باحثة عن أجوبة. كأن من كتبها لم تعبر به السنين التي انست كثيرا منا أن هناك احتلالا للكويت في يوم من الأيام، فجاءت طرية كأنما كتبت عقب الإحتلال مباشرة. ولي أن أقول أن الرواية الكويتية في العام الأخير بدأت بالقفز خارج حدود الوطن، واستطاعت أن تلتحم في المشترك الإنساني بثوب كويتي. هنا اتذكر الراحل منصور الرحباني عندما قال : من المحدود تفتح لك نافذه إلى اللا محدود.

اسماعيل فهد اسماعيل

اسماعيل فهد اسماعيل