التائهون – أمين معلوف

التائهون – أمين معلوف

تمت إضافته في تاريخ 18/01/2013 بواسطة عبدالوهاب الحمادي بتصنيف آراء, قدمس, كتب, كتب مترجمة
التائهون

التائهون

لي مع أمين معلوف تاريخ من القراءة، وسؤال يلح علي: هل كانت صخرة طانيوس هي أول رواية أقرأها؟ لا أملك جوابا حاضرا. لكنني أذكر أنني وقعت في غرام كتابات صاحب الهويات القاتلة، واهم ما جذبني لها في ذلك الوقت- ولا يزال- هو استخدامه التاريخ لطرح ما يريد. مع حسن الوزان رحلت من غرناطة إلى المغرب حتى صار اسمه ليون الأفريقي، وعبرت مع الخيام وصولا إلى حسن الصباح زعيم الحشاشين. منذ قرأت لمعلوف لم تغادر شخصياته ذهني وظلت موجودة تذهب وتجيء. ونحن نعلم علم يقين أن الكاتب – كل كاتب – يشظي شخصيته بين شخصيات العمل فيستمتع محبوه بجمعها

أمين معلوف

أمين معلوف

.

في هذا العمل الذي جاء بعد انقطاع عن العمل الروائي، ودخوله للأكاديمية الفرنسية، يأتي معلوف ويخبرنا عنه “في التائهون، أستلهم فترة شبابي بتصرف شديد. فقد عشتُ تلك الفترة مع أصدقاء كانوا يؤمنون بعالم أفضل. ومع أنَّ لا شبه بين أبطال هذه الرواية وبين أشخاص حقيقيين، فهم ليسوا من نسج الخيال تماماً. فلقد نهلتُ من معين أحلامي واستيهاماتي وحسراتي بقدر ما نهلتُ من معين ذكرياتي “. إذن عاد معلوف ليقتبس من حياته، مستلهما هوياته المتعددة، ويروي لنا عبر قصة بسيطة تداعيات الحرب اللبنانية على شلة أصدقاء ينتمون لمختلف الطوائف اللبنانية، يجتمعون اسبوعيا في بيت أحدهم ( شرفة في بيت بالجبل تطل على البحر) وكيف فجرتهم الحرب وتشظى كل في طريق. يقرر آدم العودة إلى لبنان بسبب مرض أدهم الشديد و الذي يفارق الحياة فور وصول الأول إلى بيروت. سنوات الجفاء بينهم خلخلها الموت، فصار آدم يكتب عن ذكرياته مسترجعا الذاكرة تارة وتارة عبر رسائل احتفظ بها منذ غادر إلى باريس. ثم تقترح عليه زوجة صديقه وهي احدى افراد الشلة السابقين أن يجتمع الأصحاب لمرة أخيرة وهنا تبدأ القصة التي تتمركز في لبنان وتنتقل بين عدة دول. ذكرني معلوف وهو يجمّع الأصدقاء من حول العالم بأجاثا كريستي عندما تحيك خيوط قصتها فصرت ارتقب جريمة لن تأتي.. وقد تأتي!

. رسم معلوف الشخصيات بحرفنة المعلم الذي لم يفقد مهارته على الرغم من طول البعاد. مما لفت نظري في الرواية أن معلوف وعبر الشخصيات لم يذكر اسم لبنان مرة واحدة !! وإنما اشار لها ب”بلدنا” أو ” البلد”، حتى أسماء القرى والمناطق لم تذكر. وهذا بالطبع شيء مقصود منه ويبقى السؤال لماذا؟ فاتحا الأفق أمام التأويل.لم استطع أن احدد من هم التائهون؟ هل هم ابطال العمل أم من ساروا بالوطن إلى الضياع؟ لفت نظري تحول مكان التجمع من بيت صديقه إلى فندق تملكه إحدى زميلات الشلّة، وهنا تأملت في الوطن الذي صار فندقا وملتقى للغرباء. بين ثنايا العمل استمتعت بالجانب التاريخي لتخصص بطله آدم والذي يشابه اهتمامات معلوف التاريخية عبر تاريخه الروائي وثمة نصوص طربت لها وللسهولة التي جاءت بها معبرة ودالة تختزل خبرة السنين، تحدث معلوف عبر ابطاله عن همه الدائم : التسامح العابر للهوية، وعن الموت الذي نحمله في اسمائنا كخلايا نائمة تنتظر لحظة الانتشار، عن الشرق الأوسط وبتروله الذي مثلما وضعه على الخارطة مجددا كان لعنة لآخرين وآخرين. لم تعقني صفحات العمل التي جاوزت ال 550 عن اكماله، لم اشعر للملل. عاد معلوف -والذي شبّه نفسه يوما في لقاء تلفزيوني ب قدمس!- إلى الرواية عودة ظافرة، وتوج الرواية بنهاية غير متوقعة و تشاؤمية انتهت بتأرجح بين الحياة والموت ” يقولون سيبقى بين الحياة والموت .. مثل بلده، ومثل ذلك الكوكب. مع وقف التنفيذ، مثلنا جميعا!” . من أحب معلوف التاريخ قد يحن للقديم ولا يأنس بالجديد. وأنا لا شأن لي فقد احببتها جدا و ادعوكم لقرائتها.