جواهر العربي : حوار مع منصور الرحباني

جواهر العربي : حوار مع منصور الرحباني

تمت إضافته في تاريخ 27/01/2013 بواسطة عبدالوهاب الحمادي بتصنيف مجلات ثقافية وأدبية

مقابلة اجراها جهاد فاضل مع الراحل منصور الرحباني لمجلة العربي واستخرجتها لكم

منصور الرحباني

منصور الرحباني

تعتبر   ظاهرة الرحبانية من أجمل وأنبل الظواهر الفنية والثقافية العربية في هذا العصر.   فمن جبال لبنان خرج شقيقان تربيا معا وعملا معا، هما عاصي ومنصور الرحباني، وهبا   الفن العربي واحدة من أروع الصفحات في تاريخه.

دور   هذين الشقيقين العبقريين لم يقتصر، كما كان شائعا، على إمتاع الأذن والنفس   العربية بالكلمات والألحان والموسيقى الجميلة التي ساهمت في نقل الأغنية العربية   من حال إلى حال، بل تجاوز هذه المرتبة للمساهمة في صياغة الوجدان العربي والروح   العربية، فمن الفن من أجل الفن، إلى الفن من أجل الحياة، ومن أجل الوطن، ومن أجل   المستقبل، فالجمال لا يستطيع أن يبرر ذاته منفردا، بل ينبغي أن يقاس أيضا تبعا   لمقتضيات العدالة والأخلاق.

ويشكل   المسرح الرحباني على الخصوص قفزة نوعية في تاريخ المسرح الغنائي العربي.

وهو   مسرح يحوي الموسيقى والشعر والحوارات، إضافة إلى تقنية خاصة لا تمتلكها الموسيقى   وحدها أو الشعر وحده.

وهو   قبل كل شيء مسرح هادف لا تغيب عنه الأفكار والرؤى المستقبلية.

عماد هذه الظاهرة فنانان كبيران رحل   أحدهما إلى رحاب ربه، وبقي الآخر وهو منصور الرحباني.. يحاوره الكاتب الناقد   المعروف جهاد فاضل حول تجربة الرحبانية في الموسيقى والفن.

منصور   الرحباني موسيقي وشاعر قبل كل شيء. شارك أخاه المبدع عاصي رحلة الإبداع. فأي   الأعمال الرحبانية هي لعاصى وأيها لمنصور؟ وكيف تسنى للإبداع أن يكون فرديا   وجماعيا في آن؟ ولمن كلمات هذه الأغنية ولمن لحن تلك؟

– لا يعرف أحد. “ما حدا يسألنا   هيك سؤال (كان عاصي يقول بلهجته اللبنانية) إذا بتريدوا هيدا من عمل الأخوين   رحباني وبس “.

إذن   دعنا من ذلك.. ولنرجع بالذاكرة إلى البداية.. كيف كانت.. ولعلها تحمل إجابة عن   السؤال؟

– تسألني كيف بدأنا. لقد بدأنا   هواة. كنت أنا وعاصي، ومنذ الصغر، هاوين للشعر.

كان عاصي يحرر وحده مجلة يكتبها   ويخطها بنفسه من ألفها إلى يائها. وكانت تحتوي كل الأبواب والفنون المعروفة:   شعر،. قصة، مسرحية متسلسلة، مقالات وغير ذلك. بعدها يخترع أسماء وهمية يوقع بها.

ولأنني كنت أصغر منه، فقد أصابني   الحسد ونشأت على خطاه فأصدرت مجلة أخرى أسميتها “الأغاني”. هاتان   المجلتان كنا نحررهما خلال أيام الأسبوع ثم ندور بهما يوم الأحد على الأصدقاء   نقرؤهما ثم نبدأ صبيحة الاثنين إعداد العدد الجديد منهما.

هكذا بدأنا وعندما درسنا الموسيقى   بعد ذلك أضيف اهتمام فني جديد إلى اهتمامنا الكتابي والأدبي. وقد درسنا الموسيقى   دراسة جيدة على يد متخصصين بها قبل أن نلتحق بالكونسرفاتوار الوطني. ومع أننا لا   نتحدث كثيرا عن ثقافتنا الموسيقية، إلا اننا مثقفان موسيقيا ثقافة عميقة جدا.

ثم اتجهنا إلى إحياء بعض الحفلات في   ناد أدبي ثقافي يقع في بلدتنا انطلياس. إذ أتصور أن الإنسان يأتي مفردا مختلفا.   لقد كانت هناك مؤثرات مختلفة أجنبية تأثرنا بها، لكننا عندما كتبنا جاء عطاؤنا   مغايرا لما هو مألوف، جاء جديدا وهنا أتذكر كلمة شكسبير المشهورة: نكون أو لا   نكون، تلك هي المسألة.

مقومات الفن الرحباني

ما أعطيناه كان جديدا. من هذا   الجديد الذي أعطيناه تقصير مدة الأغنية. إنها ظاهرة بدأت من هنا، من انطلياس، ثم   عمت العالم العربي. من الأغنية التي تستغرق ربع ساعة ونصف الساعة، إلى الأغنية   التي لا تستغرق سوى دقيقتين ونصف أو ثلاث أو خمس دقائق.

أما الشعر الذي كتبناه فكان بدوره   مختلفا. كانت كلمات الشعر السائد تتضمن الكثير من الترف: كالزهور، والبنفسج،   والعواذل، والوصال. كان شعرا “حزينا” ومترفا. نحن أتينا بكلمات قاسية:   كالصخر والشوك ويبدو أن الجمهور كان ينتظر ولادة شيء انقلابي جديد يحدث نقلة.   أتينا بالفن الذي يجرح. لماذا؟ لا أدري. لقد نبعنا من محيطنا، من هؤلاء الناس   الذين يعيشون حولنا، من وجوههم، من فرحهم، من عاداتهم من تقاليدهم.

وللثقافة بلا شك فضلها الكبير. ولكن   الأساس قبل كل شيء هو الموهبة، ثم الثقافة الموسيقية والثقافة العامة.

لا يستطيع المرء أن يعطي عطاء   عميقا، مثل بيتهوفن مثلا، إن لم يكن مثقفا ثقافة عامة. لا بد للفنان العظيم أن   تلفحه رياح الفلسفة، أن يعرف التاريخ جيدا، أن يعشق الماورائية ويفتش عنها، لأنه   خارج الإيمان لا يوجد شعر ولا موسيقى. إنها من الشروط، كما أرى.

وهناك أناس يكفرون في التلحين على   أساس سطحي جدا ولذلك فإن عطاءهم يأتي سطحيا، ومن هنا، وعلى الطريقة التي ذكرتها   لك، نشأت الفكرة الرحبانية.

الفن كهربة بسيطة

ذكرت   أنكم قصرتم زمن الأغنية من نصف ساعة أو أكثر إلى دقائق معدودة.. ما هي أسبابكم   الموجبة يا ترى؟ هناك من يقول إن العمل الفني القصير يتلاءم أكثر مع روح الفن   ومع روح العصر.. ينزع الزوائد، يمنع الترهل، يركز على الجوهر ويحافظ على الشحنة   الفنية والنفسية الحقيقية.

– أنت قلت. الفن والجمال بصورة   عامة، هما عبارة عن كهربة بسيطة.. هذه الكهربة البسيطة ينبغي أن تؤدى بتكثيف،   بتركيز. فإذا أنت أمنت ذلك في عبارات أو أعمال دقيقة موحية، فلماذا التطويل   والشرح؟ دع نفسك في التكثيف. والتكثيف عملية أهم.. هنا الأساس. ثم إن أي شيء   كان، مهما تضمن من المعاني والرؤى الجليلة، تستطيع أن تقوله في ثلاث دقائق.

الأغنية تستطيع أن تؤديها بنجاح في دقائق   قليلة معدودة. إذا كان لديك أفكار ومعان أطول تستطيع أن تتجاوز الأغنية الواحدة   أو القصيرة إلى المسرحية الغنائية.. أما في إطار الأغنية، فأنا أرى أن التكثيف   أهم من أي شيء آخر. والمستمع يستطيع أن يصل إلى النشوة المطلوبة خلال هذه   الدقائق القليلة.

فن الإبداع المشترك

يتحدث   منصور الرحباني عن التجربة الرحبانية عادة بصيغة الجمع.. صنعنا. فعلنا. كان الذي   قبلنا هو هذا فأصبح على أيدينا كذا. فهل تتحدث عن مجهود فردي لك أنت أم عن مجهود   جماعي تم على أيديكما: أنت وعاصي؟ أين منصور في هذه التجربة وأين عاصي؟ هل هناك   مجال للتمييز بين ما فعله كل منكما في إطار هذه التجربة؟ نحن نعرف أن الإبداع،   عادة، جهد فردي، فكيف تماهى في فردين اثنين، في شخصين؟.

– المعاناة فردية، من البداية شعرنا   أنا وعاصي أننا نستطيع أن نقوم بعمل مشترك. وعلى امتداد السنوات التي عملنا   خلالها كنا فعلا مثالا لنكران الذات. تسأل عاصي: من أنجز هذه القطعة، يجيبك:   منصور.. وتسأل منصور السؤال نفسه فيجيبك: عاصي. وسيمر وقت طويل قبل أن يأتي   اثنان يكونان صديقين ولديهما تفاعل فكري ونفسي، ونكران الذات الذي كان عندنا. كل   هذا مهم جدا، ولكنه يبقى قبل كل شيء للتاريخ.

أما كيف كنا نشتغل، فإليك الجواب:   عاصي شاعر ولا أبالغ إذا قلت إنه كان من أهم شعراء العالم الدراماتيكيين. وقد   يكون أهم شاعر أدرك ماهية الدراما في عصرنا هذا. ولم يكن عاصي شاعرا غنائيا   وحسب، بل كان أيضا شاعرا دراماتيكيا.. كان يستطيع أن يؤلف ويلحن ويقوم بتوزيع أوركستراسيون   وحده.

وأنا أيضا أؤلف وألحن وأقوم بتوزيع   “الأوركستراسيون” وحدي. أحيانا نكون، مشتغلين بعمل ما، ثم نقوم بعملية   نقد مشتركة لما أنجز أحدنا. نجلس جلسة مشتركة ونقوم بهذه العملية النقدية، ثم   يصدر العمل باسم الأخوين رحباني.

أحيانا كثيرة كان هو الذي يؤلف وأنا   الذي يلحن. أحيانا أخرى كنت أنا الذي أؤلف وهو الذي يلحن.

لم تكن قاعدة مطردة في العمل   المسرحي بالذات. كانت فكرة المسرحية تلتمع في بال أحدنا فينقلها للآخر. أو أننا   كنا نجلس فنطور الفكرة معا بدون كتابة. ورقة سيناريو. يبدأ أحدنا يكتب مقطعا   منها أو يكتبها كلها، يعطيها للآخر فيكتب بدوره مقطعا. وهكذا نكتب معا. نتبادل   كتابة المقاطع ثم يعود الآخر فيعيد كتابتها حتى تصبح المسرحية شبيهة بمعركة   العلمين: لا يعرف أحد من عملها.. هل هذه لعاصي أم لمنصور..؟ عدة كتابات حتى تتم   وفي شكلها الأخير حيث نجتمع ونتفق على صيغة نهائية لها.

المعاناة تكون في البداية فردية ثم   ينتقل العمل أو مشروع العمل إلى الآخر فيأخذها ويضع معاناته هو بدوره.

هذه هي إرهاصات المسرحية الغنائية   وتطورها ونموها حتى اكتمالها.

أقول لك شيئا آخر: هناك كثيرون   يشكون أن يكون شكسبير أنجز وحده كتابة مسرحياته. هؤلاء يقولون إن شكسبير كان   ممثلا، أما المسرحيات المنسوبة إليه فقد كتبها مع أعضاء فرقته المسرحية. هذه   المسرحيات المنسوبة إليه إنما هي حصيلة عمل جماعي. وقد ذكر لي ذلك مرة الشاعر   جورج شحادة والمعروف أن جورج شحادة من أكبر كتاب المسرح في هذا العصر. وكان يضيف:   إذا اجتمع أفراد قلائل موهوبون طبعا، ومثقفون ثقافة عالية، وكتبوا معا وبسرعة،   فإن الأسلوب الذي يكتبون به يخرج أسلوبا واحدا أو متشابها إلى حد بعيد.

الحضور الفيروزي

وما هي   حكايتكم مع فيروز الضلع الثالث في مثلث الإبداع الرحباني؟

– عندما التقينا أنا وعاصي بفيروز   كنا قد حصلنا على شهرة لا بأس بها. وكنا قد كونا لأنفسنا “ملمحا”   خاصا، وكنا قد لفتنا أنظار الناس أو أسماعهم، لأننا كنا قد أنجزنا أعمالا جيدة   جدا منها: زورق الحب، سمراء مها،، عدنا رأيناها، يا ساحر العينين.. وهي أعمال   أثبتت لنا شخصية فنية متميزة، قبل أن تظهر فيروز على المسرح.

ولكن المشكلة كانت في المطربة التي   يفترض أن تؤدي أو تغني هذه الأغنيات. بعض المطربين وجدوا أن طريقتنا طريقة   غريبة. كانوا يقولون عنا إننا جبليون أو آتون من الجبال.. مع أننا كنا نغني: يا   ساحر العينين يا حلمنا / تسأل في الحيين عن بيتنا.. كنا نقول يا ساحر العينين   (كما تلفظ بالفصحى) فإذا بها على أفواه المطربين إذا أرادوا أن يغنوها: يا ساحر   العينين (بكسر النون الأولى وعلى طريقة الكلمات بالعامية المصرية) لأنهم كانوا   معتادين على مثل هذا الأداء. كانوا يظنون بصورة عامة أننا نغني غناء جبليا.

في مرحلة ما استعنا بشقيقتنا سلوى   (زوجة الشاعر عبد الله الأخطل) وسميناها نجوى وغنت لنا تلك الأغنيات.

حتى التقينا بفيروز، جاءت فيروز   متوجة.. إن الذي يأتي ولديه شيء يريد أن يقوله، تكون إطلالته مختلفة كما لو أن   هناك تاجا غير منظور على رأسه.

فيروز تسلمها عاصي في البداية. كان   عاصي يعمل في تلك الفترة عازف كمان وملحنا في الإذاعة اللبنانية. أنا كنت لا   أزال يومها أعمل شرطيا، وإن كنت أساعد عاصي في عمله، نلحن معا.

وتعهد عاصي فيروز. قال له حليم   الرومي: هذه الفتاة ذات صوت جميل، وكان حليم الرومي هو الذي أطلق عليها اسم   فيروز. وأخذ عاصي يلحن لفيروز وسرعان ما انتزعت من الكورس في الإذاعة لأن صوتها   كان جميلا جدا.

نحن – انسجاما مع طريقتنا وموقفنا –   رأينا الأمور مختلفة. بيكاسو مثلا وجد في “المنظر” ما لم يجده سواه،   نحن وجدنا في صوت فيروز شيئا آخر. تدخلنا في صياغته حتى أصبح له مذاق جديد.

فيروز بما لها من قوة شخصية وحضور   على المسرح ومن صوت متفرد، ساعدنا كثيرا، أو أننا ساعدنا بعضنا بعضا. لا نعرف   أيهما قبل الآخر: البيضة أم الدجاجة.

لقد نذرنا – عاصي وأنا – أنفسنا   للأعمال الوطنية والقومية، لمعاني الحرية والثورة ضد الظلم. بدأنا ب   “راجعون”، ثم كل قضايا فلسطين. لم تقل فيروز شيئا. لم تعترض ولكننا   نحن الذين تعهدنا كل هذه الأفكار والقيم وحملناها لصوت فيروز، يقينا منا أن هذا   الصوت قادر على الإيصال.

وقد أوصلت فيروز كل ذلك إلى كل   العرب، وصارت المطربة / القضية. غنت الشعوب ولم تغن الأشخاص. غنت البلدان لا   الأشخاص. وكان ذلك طبعا بناء على توجهنا ونهجنا. ولكن الناس تختصر فتقول: فيروز.

ونحن نعرف المكافأة. دائما الناس لا   يرون سوى الشخص الواقف أمامهم على المسرح، لا يعرفون الذين خلف الستار. ونحن   طبعا لا نغضب، إنما نسعد بوصول فننا إلى الناس.

الرحبانية والتراث

الأغنية الرحبانية كانت إلى حد بعيد   مزيجا بين القديم والحديث. كيف نظرتم إلى تراث الأغنية العربية في عصورها   الذهبية؟

– اهتممنا اهتماما بالغا بهذا   التراث بالذات. قبلنا لم يكن هناك اهتمام جدي أو حقيقي به. اهتممنا بصورة خاصة   بالموشحات الأندلسية، بدأنا “بالذي أسكر من عذب اللمى” و “لما   بدا يتثنى لما. أجرينا لهذه الموشحات توزيعا جديدا، وإعادة “ترميم لما   لبعضها إن صح التعبير. وعندما قدمنا هذه الموشحات لأول مرة على أحد مسارح دمشق،   استمر الجمهور يصفق طويلا.

وعلى غرار هذه الموشحات قدمنا   موشحات من تأليفنا حينا ومن تأليف سوانا حينا آخر. وهي كثيرة مثل: “ارجعي   يا ألف ليلة” الكلمات لرفيق خوري والشعر للأخوين رحباني، وقدمنا “يا   زائري في الضحى والحب قد سمحا” من تأليفنا وتلحيننا.

من ديوان الشعر الأندلسي أخذنا عدة   موشحات. والموشح كما هو معروف تسمية للشعر وليس اللحن. أخذنا الكثير من هذا   الديوان مثل: “هل تستعاد أيامنا في الخليج وليالينا”.

وأخذنا أيضا من ديوان الشعر العربي.   أخذنا قصيدة عمودية على وزن واحد وقافية واحدة، لكن صنعنا ما يمكن تسميته   القصيدة القصيرة أو “الميني قصيدة” تماشيا مع العصر. اختصرنا الوقت من   نصف ساعة أو من ساعة إلى خمس أو ست دقائق. من هذه القصائد: “لملمت ذكر لقاء   الأمس” و”أنا يا عصفورة الشجن ” وسواهما.

وفكرنا في لوحات غنائية كانت تسمى   “سكتش” قصة تامة مثل “النهر العظيم لما و”راجعون” .   صنعنا منها قصة تامة فيها حوار، وقد كانت تمهيدا لظهور المسرح الرحباني.

وهل   كنتم تصدرون في موضوعاتكم الوطنية والقومية التي قدمتموها عن “رؤية”   أو”فلسفة” معينة؟.

– قد لا نبالغ إذا قلنا إننا أول،   أو من أوائل، من أوجد فكرة فلسطين الحديثة، سنة 1955 لم يكن العمل الفدائي قد   نشأ بعد. في تلك السنة أنجزنا “راجعون” وكانت وجهة نظرنا أن على   الفلسطنيين، قبل سواهم، أن يهتموا بفلسطين، على عكس وجهة النظر التي كانت شائعة،   وموجزها أن قضية فلسطين قضية عربية أولا، ويبدو الآن أن وجهة نظرنا كانت صحيحة،   وثورة الحجارة دليلنا على ذلك. قال لي مرة رئيس تحرير جريدة عربية: “أنتم   الرحبانية أباء العمل الفدائي” “يدخل آلاف الأطفال، من ولدوا الليلة   في الخارج، عادوا كالبحر من الخارج، عيده العيد برشاش، فمضى يتعبدويقيم في أرض   أبيه وأجداده “.

حول المسرح الرحباني

المسرح   الرحباني نال حظا كبيرا من النجاح. واستقبل الجمهور مسرحكم بالكثير من التقدير..   ترى ماذا وراء نجاح الرحبانية في المسرح؟

– من البداية كنا نحب المسرح. أنا   كنت أحب أن أكون “سيمفونيست ” لأن الدروس التي درسناها هي الدروس التي   يتلقاها كل الموسيقيين في العالم. بالإضافة إلى موسيقانا الشرقية. درسنا أنا   وعاصي 15 سنة موسيقى، منها ست سنوات شرقي والباقي غربي.

كنت أنوي كما قلت لك أن أكون   “سيمفونيست “. تزوج عاصي فيروز. قال لي: فيروز هي أداة توصيلنا ونحن   لدينا رسالة، فلماذا لا نهتم بالمسرح؟

وأخذ المسرح بعد ذلك كل وقتنا. ولم   يكن عاصي مخطئا بهذا التوجه. فبواسطة المسرح خدمنا الفن العربي أكثر مما كان   بإمكاننا أن نخدمه بواسطة السيمفونيات. وكان مسرحنا مسرحا وطنيا اجتماعيا هادفا.   أنت تذكر الجدل الذي ثار قبل سنوات حول “وطن” الرحبانية. قالوا إن   الرحبانية أنشأوا في مسرحهم وطنا.

ولكن   البعض قالوا أيضا إن الرحبانية أنشأوا وطنا سريع العطب؟

– قالوا ذلك، وقال آخرون إننا   “غشينا” الناس وأنشأنا وطنا / كذبة.. هذا غير صحيح. نحن لم نقدم شرائع   أو قوانين. نحن زرعنا كلمات وقيما من نوع: “حلوة على الشباك هون.. وردة   هونيك.. ناس يقاومون ويموتون على أرض وطن. زرعنا تلالا صخرية. بعنا الحكمة في   المزاد. رجعنا الهارب بواسطة المهربين”.. لقد حاولنا أن نغير بواسطة   الكلمات الجميلة والنبيلة في آن. كنا مخلصين إلى أبعد الحدود “ووطننا”   قابل للتحقيق لأنه ينشد الحق والحقيقة، ولا أعتقد أن أحدا يمكن أن يجاهر   بعدائهما